علي بن يوسف القفطي
196
إنباه الرواة على أنباه النحاة
دينار - وكانت غاية أمنيّتى - فما مضت إلا سنون حتى ولى القاسم الوزارة ، وإنّى على ملازمتى له ، وقد صرت نديما له ، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ؛ ثم هبته ، فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي : يا أبا إسحاق ، لم أرك أذكرتنى بالنّذر ! فقلت : عوّلت على رعاية الوزير - أيّده اللَّه - وأنّه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق ، فقال لي : إنه المعتضد ، ولو لاه ( 1 ) ما تعاظمنى دفع ذلك كلَّه إليك في مكان واحد ، ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث ، فاسمح لي بأخذه متفرّقا ، فقلت : يا سيدي افعل . فقال : اجلس للناس ، وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار ؛ واستجعل ( 2 ) عليها ، ولا تمتنع من مسألتي شيئا تخاطب فيه ، صحيحا كان أو محالا ، إلى أن يحصل لك مال النّذر . قال : ففعلت ذلك ، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا ، فيوقّع فيها ، وربما قال لي : كم ضمن لك على هذا ؟ فأقول : كذا وكذا ، فيقول : غبنت ! هذا يساوى كذا وكذا ، ارجع فاستردّ ، فأراجع القوم ، فلا أزال أماكسهم ( 3 ) ويزيدوننى ، حتى أبلغ الحدّ الذي رسمه . قال : وعرضت عليه شيئا عظيما ، فحصلت عندي عشرين ألف دينار وأكثر منها في مديدة . فقال لي بعد شهور : يا أبا إسحاق ، حصل مال النّذر ؟ فقلت : لا ، فسكت ، وكنت أعرض عليه ؛ فيسألني في كل شهر أو نحوه : هل حصل المال ؟ فأقول : لا ، خوفا من انقطاع الكسب ، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال . وسألني يوما ، فاستحييت من الكذب المتّصل ، فقلت : قد حصل ذلك ببركة الوزير ، فقال : فرّجت واللَّه عنى ، فقد كنت مشغول القلب إلَّا أن يحصل لك .
--> ( 1 ) في الأصل : « ولولا » ، والصواب ما أثبته عن تلخيص ابن مكتوم . ( 2 ) استجعل : اطلب جعالة ، وهى أجر العمل . ( 3 ) المماكسة في الأصل : انتقاص الثمن في البيع ؛ وهو يريد هنا أنه كان يستقلّ ما يعرض عليه من الأجر .